شكّلت فتنة اليالوشي واحدة من أخطر اللحظات المفصلية في تاريخ جبل عامل الديني والفكري، إذ لم تكن مجرد ادعاء فردي شاذ، بل حركة منظمة ذات امتداد شعبي واسع، استندت إلى استغلال الجهل الديني، والانبهار بالخوارق، في بيئة ساحلية كانت بعيدة نسبيًّا عن مراكز العلم والحوزات الراسخة.
فظهور محمد بن تقي الدين الجبائي البابلي، المعروف باليالوشي، لم يأتِ في فراغ، بل في سياق هشاشة معرفية جعلت القرى الساحلية وشرائح واسعة من العامة عرضة للتأثر بالشعبذة والسحر، حين تقترن بادعاء النبوة والكرامات الخارقة ، لقد أدرك الشهيد الأول منذ اللحظة الأولى أن الخطر الحقيقي في هذه الحركة لا يكمن في شخص اليالوشي ذاته، بل في تحويل الخوارق الوهمية إلى مرجعية دينية، واستبدال الوحي بالشعبذة، والنبوة بالحيلة ، ولذلك لم يتعامل معها بوصفها انحرافًا أخلاقيًا أو بدعة فحسب، بل بوصفها تهديدًا مباشرًا لبنية الدين ذاته، إذ إن ادعاء النبوة المقرون بالسحر ، ينسف أصل الختم المحمدي، ويُسقط ميزان التمييز بين الحق والباطل .
وتكشف النصوص التي بين أيدينا أن الشهيد الأول مارس في مواجهته لليالوشي منهجًا مركّبًا بالغ الدقة، يبدأ بالتفكيك العلمي قبل المواجهة الحاسمة ، فعندما أظهر اليالوشي البساتين والأشجار والأزهار بالشعبذة، لم يواجهه الشهيد بالإنكار اللفظي، بل واجهه بالفعل الكاشف، مبيّنًا أمام الناس أن ما رأوه ليس إلا خيالًا مُركّبًا يمكن إبطاله في لحظة ، فجاءت حادثة الجراد لا بوصفها استعراضًا مضادًا، بل كشفًا لطبيعة الوهم، وإعادة تعريف لمعنى القدرة، وأن ما يُرى ليس دليلًا على الحق، بل قد يكون امتحانًا وفتنة .
وهنا تتجلّى واحدة من أخطر النقاط العقدية التي عالجها الشهيد الأول بوعي استثنائي، وهي فصل العلم عن المشروعية ، ففي خطبته بعد قتل اليالوشي، نفى أن يكون هذا الأخير متفرّدًا في علومه، بل أقرّ بوجود من هم أعظم منه علمًا وأرفع منزلة، لكنه وضع حدًّا فاصلًا بين امتلاك العلم وبين جواز العمل به ، هذا التمييز أسّس لقاعدة حاسمة في الفكر الإمامي، مفادها أن العلوم الغريبة ـ مهما بلغت لا تُشرّع بذاتها، بل تخضع لميزان الشريعة، ولا يُرخّص بها إلا لدفع باطل مماثل، وصون الدين من الإدعاء الكاذب .
وتُظهر الروايات أنّ الشهيد الأول لم يبادر إلى القتال رغم اتساع رقعة الانحراف، بل استنفد كل وسائل النصح والإرشاد، فأرسل الجماعات، ثم أرسل ولده الشيخ ضياء الدين علي ومعه أربعون عالمًا، في مشهد يكشف إيمانه العميق بأن العلم هو السلاح الأول في مواجهة الفتنة، غير أنّ قتل العلماء غدرًا في وادي زبدين كشف حقيقة الحركة، وأسقط أي احتمال للإصلاح السلمي، وحوّل القضية من ضلال فردي إلى تمرّد دموي على الدين والمجتمع .
ومع ذلك، ظلّ الشهيد الأول متحفظًا إلى أقصى الحدود في استخدام القوة، إدراكًا منه لخطورة الاقتتال بين المسلمين، ووعيًا بأن الدم إذا سُفك في الفتنة لا يُطفئها بل يزيدها اشتعالًا ، لهذا اختار المواجهة الفردية، في موقف نادر في التاريخ، حيث تقدّم بنفسه، ومعه ولده فقط، إلى حصن اليالوشي، بعد أن صرف الجموع ومنع الجيوش من التقدم لقد كانت هذه الخطوة في جوهرها حسمًا أخلاقيًا قبل أن تكون حسمًا عسكرياً، إذ أراد أن يُسقط رأس الفتنة دون أن يفتح باب الإقتتال وتؤكد الوقائع أن اليالوشي لم يكن صاحب شبهة قابلة للتأويل، بل مرتدًا مصرًّا على دعواه، لا يقبل نصحًا ولا توبة، وقد ثبت ذلك بشهادة من كانوا في دائرته المقرّبة .
وهنا فقط وقع الحسم، لا بوصفه تصفية سياسية، بل إقامة حدٍّ على حركة ارتدادية هددت الدين والمجتمع معًا ، أما الأثر الأخطر لهذه المواجهة، فيتجلى فيما بعدها ، إذ لم يكتفِ الشهيد الأول بإسقاط الفتنة، بل بادر فورًا إلى إعادة ترميم الوعي الديني ، فأرسل ولده الشيخ ضياء الدين ليقيم بين أهل السواحل، يعظهم ويرشدهم ويعيد وصلهم بالعقيدة الصحيحة، بينما بقي هو في جزين مركزًا للحوزة والعلم ، لتعود المنطقة إلى حالة الاطمئنان والاستقرار ، وهذا يدل على أن المواجهة لم تكن عسكرية في جوهرها، بل تربوية إصلاحية طويلة النفس .
إنّ القراءة العميقة لهذه الأحداث تقود إلى نتيجة حاسمة: لولا مواجهة الشهيد الأول لليالوشي، لكان جبل عامل قد شهد انكسارًا عقائديًا شبيهًا بحركات الغلوّ الكبرى التي مزّقت مجتمعات إسلامية أخرى ، لقد حمى الشهيد الأول الدين من أن يُختزل في خوارق، وحمى الناس من أن يتحولوا إلى أتباع دجّالين، وحمى التشيّع من أن يُمسخ إلى طقوس خالية من الميزان الشرعي ، وبذلك لا يمكن فهم استمرارية الهوية الدينية لجبل عامل، ولا صلابة علمائه لاحقًا، ولا نشوء المدرسة العاملية بصورتها الراسخة، إلا بوصف مواجهة اليالوشي لحظة تأسيسية في الوعي العاملي والتي أثبتت أن الدين يُحفظ بالعلم والحكمة والحزم عند الضرورة، وأن الله يقيّض في لحظات الخطر رجالًا عظماء كالشهيد الأول قدس الله نفسه الزكية ، ليكونوا حماة العقيدة في الأزمنة العصيبة .
وما ذكره تلميذ الشهيد الشيخ محمد بن علي الوحيد البتديني ( نسبة لبتدين اللقش قرب جزين ) يبين أهمية مواجهة الشهيد الأول لمشروع اليالوشي وحركته في الصفحة الثالثة عشرة والرابعة عشرة من مخطوطة مختصر نسيم السحر :
« لقد كان شيخنا الفاضل المحقق المدقق علامة دهره ووحيد عصره عديم النظير في المشارق والمغارب أقرّت لفضله فضلاء الأعاجم والأعارب ولقد جدّد شعائر سنن الحنيفية وشيّد دين الفرقة الإثني عشرية في جبل عاملة وبه اقتدى بعده من رام تحصيل الفضائل وعلى طريقته جرى من تحلّى بالوصف الكامل قد أمر ورغّب في تعمير مساجد الله وأشاد بنيانها ورتّب وظائف الطاعات فيها وعظّم شأنها ولولاه لارتدت أهل جبل عاملة مِن أكاذيب المدّعي الساحر اليالوشي وارتد من أمثاله من كلّ جاهل واشي فو الله لقد كان سبباً للخير في تلك الأرض ومفتاحاً للدين ومن ظّلمة الجهل أخرجهم إلى النور المبين إلا الذين سبق في علم الله أنهم لم يزالوا في ضلال مبين ..» .
حال المجتمع في ظل اليالوشي كذلك أورد الشيخ البتديني في نسيم السحر: حتى أنه قد نقل عن ولد مراهق قد قال لأبيه: «يا أبتي اليالوشي أنبيَ هو؟ فقال له أبوه: «يا بنيّ ألا ترى إلى كثرة هذه الكباب يا بْنِي إذا قيل: أنبي فقل: نبي ونص يا بني كل من هذه الكباب وقُص حتّى تغص وقال: يا بنيّ إذا قالوا [كذا] الناس: إنّ العجل ربّ فنحن نأخذ الحشيش ونطعمه فليس علينا من كفر بالله أو ذنب فإنٌ الدين له من يحفظه ويحميه ويُقيمه والدين فضل من الله والله يؤتي فضله من يشاء» ، انتهى.
كذلك أورد تلميذ الشهيد الشيخ البتديني في نسيم السحر ما كان يفعل اليالوشي من السحر والشعوذة :« إلى أن خرج رجل وادعى النبوة وارتد عن مذهب الإمامية وخرج عن الدين وكان اسمه محمّد بن تقي الدين الجبائي البابلي وفعل أشياء بالسحر والشعبذة مما ويتعجب منها غاية العجب وأكثرُ القرى مالت إليه وجميع الناس الهمج انكرّت عليه لما رأوا منه إظهار العجائب وأفعال الغرائب مما لو ذكرته لطال منها: أنه كلّم الناس الذين في جبل عرفات في وقت الحجّ وهو واقف على ظهر البرج الذي بناه وتحصن به وقيل: إنّه قد كان عهد إليهم» وطوى الهواء [؟] على ذلك فلما رجع الحجاج وسألهم من كان حاضراً وسامعاً فقالوا: نعم نادانا وقال كذا وكذا ، ومنها أنّه قد أظهر يوماً البساتين وفيها الأشجار والأزهار وذلك بالشعبذة فأخبر الشيخ شمس الدين محمد بن مكّي حينئذٍ وكان قريباً لذلك المكان الذي فعل به ذلك ولم يعلم أنّ الشيخ شمس الدين محمّد بن مكّي في ذلك المكان ، فلما علم الشريف محمد فقال: «يا أيها الناس» لا تعجبوا من أشجاره وأزهاره التي رأيتموها وانظروا الآن ماذا يُفعلُ بزروعه وخضره التي توهّمتموها» قال: فأخذ ورقة وقطعها أربعة قطع وكتب على كل ورقة شيئاً من الأسماء ثم رمى تلك الأوراق في الهواء إلى الجهات الأربع الجنوب والشمال والشرق والغرب فلمًا رمى بكل الأوراق فما كان أقلَ من لحظة إلاوقد ظهر جراد منتشر في كلّ ناحية وقد غطّى الأرض والأفق والناس ينظرون إلى ذلك فأكل ما قد كان صنع بسحره وبشعبذته وكأنها لم تكن.
وعن نهاية اليالوشي يقول تلميذ الشهيد الشيخ البتديني في نسيم السحر :
فلمًا وصل مكتوب الشيخ إليه أبعد القوم وبقي منفرداً في البرج ذلك اليوم ثم سار إليه الشريف الشيخ شمس الدين محمّد بن مكّيء ومعه ولده ضياء الدين علي فلمًا دخلا عليه في حصنه وقلعته فتلقاهما بقلب شديد مُصرًاً على ما هو عليه من الحوبة فعلما ارتداده وأ نه لا تقبل منه التوبة ولقد كان قبل دخولهما عليه وحال سيرهما إليه رجل من المخلصين والثابتين على الحقّ القويم والدين المتين ومن المقرّبين عند اليالوشي لكن من الذين ظاهرهم معه وقلوبهم عليه قد كان عهد إلى الشيخ: « فإذا توجّهت إليه وأقبلت عليه ودخلت البرج فإنّي أكفكه إن شاء الله تعالى فإني أشهد بالله أ نه مرتد وكاذب في دعواه وأنّه من الضالين المضلين» فلمَا دخل عليه شمس الدين محمّد بن مكّي وولده الشيخ ضياء الدين عليّ قضى أمره والله بالغ أمره ثم إنّ الشيخ قد أرسل ولده إلى الجماعة التي كانت مجتمعة لديه وإلى بقية أهل القرى ليسألهم: هل كنتم صدقتم دعواه، أو كنتم اعتقدتم ما صنعه (خ ل: استحسنه) وافتراه فلمّا سألهم قالوا : « حاشا لله بل كان عندنا من الكاذبين وكنا نعتقد أ نه قد ارتد عن الدين» لكنه لمَا بالغ في بذل المأكول والملبوس والناس أكثرهم عبيد ما يأكلون ويلبسون».
------------------------------------------------------
- من كتاب معالم وآثار الشهيد الأول محمد بن مكي (قده)
تأليف وتحقيق : هادي الشيخ محمد جواد شمس الدين .
شبكة آل شمس الدين الثقافية
2026م - 1447 ه
