أخبار الإنترنت
recent

المعاني السلوكية في وصية الشهيد الأول (قده) لإخوانه بدمشق / معالم وآثار الشهيد الأول محمد بن مكي (قده)

     تأتي وصيّة الشهيد الأوّل محمّد بن مكي الجزيني قدّس الله نفسه الزكيّة لإخوانه في دمشق ، زبدة من وقف طويلًا على عتبة الحضور، وذاق معنى الوقوف بين يدي الله، وأنّ الخلل كلّه يبدأ من انفصام القلب عن اللسان، ومن اغترار الإنسان بصورة الطاعة دون حقيقتها، لذلك شدّد أولاً على الجمع بين القلب واللسان في التلاوة والذكر وسائر هيئات الصلاة، لأنّ الذكر إذا خلا من حضور القلب صار لغوًا مزيّنًا، والصلاة إذا فقدت روحها تحوّلت إلى عادة باردة لا تُنقّي سرًّا ولا تُهذّب نفسًا، ولأنّ الله سبحانه لا ينظر إلى القوالب إذا خلت من الصدق، ولا يقبل من العمل إلّا ما صعد إليه من قلب خاشع، ومن هذا الفهم العميق حذّر من الرضا بحضور القالب دون القلب، إذ في ذلك ضرب من خداع النفس، بل جعل حضور القلب ثمرةً لضبط الجوارح، فالقلب لا يُجمع فجأة عند التكبير إذا كان قد تفرّق قبلها في فضول النظر، ولغو الكلام، وانفلات الحركات، وإنّما يُجمع إذا تعوّد صاحبه المراقبة في خلواته وجلَواته، فكانت الصلاة مرآةً لحياته، لا قطيعةً معها.

      ويمضي الشهيد الأوّل في بناء هذا المسلك فيوسّع أفق الذكر حتّى يفيض على اليوم كلّه، فلا يعود محصورًا في موضع ولا زمان، بل يصير أنسًا دائمًا، وحضورًا لا ينقطع، في المجلس والطريق، في حال السكون والحركة، عند الطعام وعند الوضوء، لأنّ الغفلة لا تُكسر بكثرة العمل فقط، بل بدوام الالتفات، ولأنّ القلب إذا أُشرب ذكر الله في عاداته، رقّ في عباداته، وخفّت عنه وساوس الشيطان، واستقامت صلاته من غير تكلّف، وفي تخصيصه الذكر عند الأكل والوضوء إشارة دقيقة إلى تطهير منابع الغفلة، حتّى لا يدخل العبد صلاته مثقل القلب، مشوّش السرّ .

     ثم يوصي بالدوام على الطهارة، لا باعتبارها حكمًا يُؤدّى، بل حالًا يُعاش، لأنّ الوضوء عنده قدس سره هو استعداد دائم للوقوف بين يدي الله، وسلاحٌ يحرس القلب قبل الجوارح، ومن لازم الطهارة عاش في يقظة، وشعر أنّه على باب حضور لا يُغلق ، ويشتدّ هذا المعنى حين يدعو إلى استقبال القبلة في المجالس والمنام، لتغدو الجهة الظاهرة شاهدًا على الاتجاه الباطن، وكأنّ الجسد كلّه يُدرَّب على التوجّه قبل أن يُكلَّف القلب، ثم يسمو بهذا الأدب حين يوصي باستحضار حضور رسول الله صلّى الله عليه وآله في كل مجلس، لا خيالًا، بل ميزانًا، لأنّ من استحيا من نظر النبي استقام لسانه، وتهذّب فعله، وصار للأدب سلطان عليه أقوى من سلطان الخوف.

     ويذكر الشهيد الأوّل  قيام الليل ويجعله من أنفع الوصايا، لأنّ الليل ميدان الصادقين، وساعة انكشاف السرائر، وفيه تُعرف مقامات القلوب، فمن لم يجعل لنفسه حظًّا من مناجاة الظلمة، ثقل عليه نور النهار، أمّا من ذاق لذّة الوقوف في الأسحار، انصبّ أثر ذلك على نهاره خشيةً وورعًا وانكسارًا، إذ من عرف الله سرًّا، استحيا أن يعصيه جهرًا.

    ويقرن ذلك بذكر الموت، لا ليملأ القلب رهبةً عمياء، بل ليوقظه من طول الأمل، فذكر الموت عنده ميزان الأعمال، ومِبضع الأهواء، به تقصر الآمال، وتستقيم النيّات، ويُعرف قدر الدنيا على حقيقتها، فلا يُغترّ بزخرفها، ولا يُفتن بزوالها، ومن أكثر ذكر الموت لان قلبه، وخفّ ظلمه، واستقام طريقه.

    ثم يجعل ليوم الجمعة منزلة الآخرة في قلب الأيام ، فينزعه من أن يكون امتدادًا للدنيا، ويعيده موطنًا للذكر والتجرّد، والبكور إليه عنده تهيئة للقاء، والاشتغال فيه بالعبادة إعادة ترتيب لما بعثرته الأيام، حتّى يبقى في العمر متّسع لله لا تلتهمه المشاغل .

    ويختم وصيّته بما يُكمل البناء الخُلقي، فيدعو إلى دوام الصدقة والصيام، لأنّ الصدقة تكسِر سلطان المال، والصيام يكسِر سلطان النفس، وبهما تُروَّض الشهوات، وتُستعاد سيادة الروح، ولا يطلب الكثرة بقدر ما يطلب الاستمرار، لأنّ القليل الدائم يُنشئ الطبع، ويصنع الإنسان، ثم تأتي وصيّته قدس سره الجامعة بحفظ اللسان، فلا يُذكر مسلم إلّا بخير، ولا يُفتح باب التأويل للطعن في القلوب، لأنّ طريق الله لا يقوم على إسقاط الخلق، بل على تزكية النفس، ولا يُبنى بالخصومات، بل بسلامة الصدر، ومن اشتغل بعيوبه كُفي عيوب الناس.

   وهكذا تنكشف هذه الوصيّة عن كونها سيرةً مكتوبة، لا موعظةً عابرة، ومنهجَ تهذيبٍ صاغه الشهيد الأوّل محمّد بن مكي الجزيني من روحه قبل قلمه، فوحّد فيها العلم والسلوك، والعبادة والأخلاق، والدنيا والآخرة، ثم ختمها بدمه، فبقيت كلماته حياةً للسالكين، وشهادةً ناطقة على أنّ من عاش لله صدقًا، نطق بالحقّ حيًّا .

نص الوصية :

     .. وأُوصي إخواني ببذل المجهود في الجمع بين القلب واللّسان في التّلاوة، وسائر الأذكار في الرّكوع والسّجود، وسائر الهيئات، لا يقنع أحدهم أن يَحضُر عند الله تعالى بقالبه دون قلبه، وعلى قدر ضبط الجوارح عن الفضول بين كلّ فريضتين يجد قلبه في الصّلاة.

     وأوصيهم بذكر الله عزَّ وجلَّ باللّسان والقلب، فأمّا القلب ففي كلّ مجلسٍ ومحفلٍ وكلِّ طريقٍ يسلكونه، وعند الأكل والوضوء خاصّة، فإنَّ الذّاكر على طعامه ووقتَ وضوئه يَقِلُّ طروق الشّيطان على قلبه، وتقلّ وسوسته في صلاته.

     وأوصي الإخوان بالدّوام على الطّهارة، ينبغي للعبد أن لا يحدث إلّا ويجدّد الوضوء، فإنّه سلاح المؤمن ومهما قَدَر أن لا يقعد إلّا مستقبلَ القبلة، وكلُّ مجلسٍ لا يكون فيه مستقبل القبلة يَعتقد أن قد فاتته فضيلةٌ، ويتصوّر في كلّ مجلسٍ كأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله حاضرٌ حتّى يتأدّب في قوله وفعله، ولا ينام إلّا على طهارةٍ مُستقبل القبلة.

    ومن أنفع الوصايا القيامُ باللّيل، فإنّه دَأبُ الصّالحين، فإنّهم لا يَدَعُ أحدهم أن ينقضيَ ليلته ولم تكن له فيها نافلة، إمّا في أوّلها أو أوسطها أو آخرها. ".."

     ومن العَون الحَسَن على حقائق العبوديّة ذِكرُ الموت، وقد قيل: «يا رسول الله، هل يُحشَر مع الشّهداء؟ قال: نَعَمْ، مَنْ يَذْكُرُ المَوْتَ بَيْنَ اليَومِ وَاللَّيلَةِ عِشْرينَ مَرّةً»، فذِكرُ الموت يُقصِّر الأملَ ويُحسِّن العمل.

    وممّا انتفعتُ به في زماني وأوصي به إخواني، البُكور إلى الجُمعة: يجتهد أحدُهم أن يصلّي فريضة الصّبح في الجامع، ويَشغل وقتَه بالصّلاة والتّلاوة وأنواع الذِّكر، إلى أن يؤدّي الفريضة، فيومُ الجمعة يومُ الآخِرة لا يُشغَل بشيءٍ من أمور الدّنيا. ".."

    وأحبُّ من الإخوان أن لا يدَعوا يوماً بلا صَدَقةٍ، ولا يدَعوا أسبوعاً كاملاً بلا صومٍ، فيصوم أحدُهم الأثانين [أيام الاثنين] والأخمسة [أيام الخميس] والجُمَع، وإلّا فيومين منها.

    وأُوصيهم أنْ لا يذكروا أحداً من المسلمين إلّا بخيرٍ على ما يعتقدُ فيه من بدعةٍ أو شبهةٍ، ولا يفتحوا على أنفسهم باب التّأويل للوقيعة في المسلمين. ".."

هذا ما حضرني في الوقت، وكتبتُه للإخوان بمدينة دمشق حماها الله، ووفّقهم وإيّاي لما يحبُّ ويرضى بحَوله وكرمِه، والحمد لله وحده، وصلواته على سيّدنا محمّدٍ وآله .

------------------------------------------------------

- من كتاب معالم وآثار الشهيد الأول محمد بن مكي (قده) 

تأليف وتحقيق : هادي الشيخ محمد جواد شمس الدين .

شبكة آل شمس الدين الثقافية

2026م - 1447 هـ





شبكة آل شمس الدين الثقافية

شبكة آل شمس الدين الثقافية

الأكثر زيارة

يتم التشغيل بواسطة Blogger.