محمد مكي بن ضياء الدين محمد بن شمس الدين علي بن الحسن المطّلبي، شرف الدين العاملي الجزيني ثمّ النجفي، من ذرية الفقيه الأكبر الشهيد الأوّل قدّس سرّه، ويجتمع له من جهة أُمّه نسبٌ علمي رفيع، فجده لأمه هو الشيخ حسين بن عبد الصمد، والد الشيخ البهائي رحمه الله، وقد شكّل هذا الامتداد النسبي والعلمي إطارًا مميّزًا لشخصيته العلمية، فجمع بين إرث الشهيد الأول، والمدرسة العامليّة، والتقاليد العلمية النجفية.
كان فقيهًا إماميًا من كبار العلماء، ومن أعلام النجف الأشرف، تقدّم في العلوم العقلية والنقلية، وشُغف بجمع الكتب وتتبع المخطوطات، حتى علا شأنه وصار من المرجوع إليهم في الفتيا ، واتسمت شخصيته العلمية بسعة الرحلة وكثرة التحمّل، فجال في بلاد جبل عامل، والبحرين، والعراق، واليمن، وإيران، وفلسطين، ومكة المكرمة، والهند وأقام في أصفهان سبع سنين بعد زيارته مرقد الإمام الرضا عليه السلام سنة 1154هـ، ثم انتهى به المقام إلى النجف الأشرف، حيث استقرّ وبرز كشيخ إجازة في عصره .
أخذ وروى عن عدد كبير من العلماء، من أبرزهم عمّه فخر الدين أحمد بن شمس الدين، وأخوه إبراهيم بن ضياء الدين، والفقيه الحسين بن محمد جعفر الماحوزي البحراني، وعلي بن الحسين البحراني، والسيد نصر الله بن الحسين الفائزي الحائري، كما أجاز لجماعة من العلماء، منهم ولده بهاء الدين محمد، ومحمد رضا بن عبد المطلب التبريزي النجفي، وأخواه إبراهيم وإسماعيل ابنا عبد المطلب، وأبو جعفر المازندراني، وكانت طرق إجازته كثيرة، نقية، عالية، مما جعله في طبقة الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق، إذ يروي عن شيوخه مباشرة.
وقد صنّف عددًا من المؤلفات، من أهمها كتاب الروضة العلية والدرة المضيّئة في الدعوات المأثورة عن خير البرية، وكتاب سفينة نوح، وهو مجموعة في فنون شتى، ويظهر من بعض إجازاته ونصوصه أنه كان محدّثًا، فقيهًا، جامعًا بين التحقيق والتأليف، لم يُضبط تاريخ وفاته على وجه الدقة، إلا أنّ الثابت أنه كان حيًا سنة 1178هـ، حيث أجاز محمد رضا التبريزي في الثامن من ذي الحجة الحرام من تلك السنة في النجف الأشرف، بل إن ورود تاريخ كتابة قسمٍ من كتابه سفينة نوح سنة 1186هـ يدل بوضوح على امتداد حياته إلى ما بعد هذا التاريخ، وهو ما يصحّح ما ورد في بعض التراجم من التوقف عند سنة 1178هـ .
وقد ترجم له أصحاب كتب الطبقات والتراجم، منهم صاحب تكملة أمل الآمل، الذي ذكره مرتين بترجمتين مختلفتين، مرة بلقبه شرف الدين ومرة باسمه، وأكد مكانته بوصفه من أعلام العلماء في النجف، وشيخ الإجازة في عصره، كثير الرحلة، واسع التحمل ، كما ترجمه السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة، واصفًا إياه بالعالم الفاضل، والمحدّث، والفقيه، واللغوي، والشاعر، وصاحب التصانيف .
لم يكن محمد مكي شرف الدين العاملي الجزيني ثم النجفي مجرّد حفيدٍ للفقيه الأكبر الشهيد الأول محمد بن مكي الجزيني، بل كان الامتداد العلمي والتاريخي الأعمق لسيرته، والواسطة التي حفظت جانبًا واسعًا من تراثه وحياته من الضياع ، فقد اجتمع له شرف النسب، وسعة الرحلة، وقلق الباحث الذي لم يتلقَّ الموروث مكتملًا، بل عمل على جمعه وترميمه وتثبيته عبر عقود طويلة من التنقّل بين حواضر العالم الإسلامي ومراكزه العلمية.
لم تكن رحلاته وأسفاره مجرّد أسفار طالب علم بالمعنى التقليدي، بل شكّلت أيضاً مسارًا معرفيًا بحثيًا، في تتبع آثار جده الشهيد الأول، وجمع الأخبار المتفرقة عنه، واستنطاق المكتبات، والمخطوطات، والوصايا، والتملّكات، في زمنٍ تباعدت فيه الأصول وضاعت فيه كثير من النصوص .
وتكشف تملّكات محمد مكي شرف الدين للكتب عن تدرّجٍ واضح في وعيه بنسب الشهيد الأول، وتحوّل هذا الوعي من التصور العام إلى التحقيق الدقيق، ففي أقدم تملّكاته وبعد تتبع مني وتدقيق في أغلب تملكاته وهي كثيرة وأغلبها موجود عندي لا يظهر ذكر "المطلّبي" في نسب الشهيد، ثم نراه في مرحلة زمنية لاحقة يدوّن النسب كاملًا من آدم عليه السلام إلى الشهيد الأول، ولا يعود به للمطلب أخو هاشم ، ثم يعود لمحو هذا التدوين نفسه لاحقًا، وهذا السلوك لا يمكن فهمه إلا بوصفه تعبيرًا عن أمانة علمية نادرة؛ إذ لم يكن الرجل مستعدًا لتثبيت معلومة نسبية كبرى ما لم تتكامل لديه الأدلة من مصادر متعددة، وهو ما يدل على أن صورة نسب الشهيد الأول لم تكن مستقرة أو مكتملة حتى في القرن الثاني عشر الهجري، وأن الحفيد كان في قلب هذا المخاض المعرفي .
وتتجلى أهمية محمد مكي شرف الدين على نحوٍ أوضح في ما خلّفه من نصوص، في مقدمتها اختصاره لكتاب «نسيم السحر»، الذي ألّفه الشيخ البتديني أحد تلامذة الشهيد الأول، فهذا المختصر يمثّل اليوم الأثر الوحيد الباقي لأصلٍ مفقود، وقد اكتُشف هذا المخطوط النفيس في مكتبة آية الله المرعشي النجفي في قم سنة 2006م، فكشف عن مادة تاريخية يتيمة وغنية، تناولت حياة الشهيد الأول من تحصيله العلمي في الحلة وبلاد العالم الإسلامي، إلى تأسيس حوزته ومدرسته في جزين، وموقفه الحاسم من حركة اليالوشي والقضاء عليها، وسجنه في قلعة الشام، وعلاقته المعقّدة بالسلطة المملوكية، ثم شهادته وصفة قتله، وصولًا إلى شهادات تلامذته في أستاذهم وملهمهم.
وإلى جانب هذا المختصر، تبرز قيمة كتاب آخر ألّفه محمد مكي شرف الدين، هو كتاب «السفينة»، والذي عُثر عليه أيضًا في مكتبة المرعشي، ويشكّل هذا الكتاب إضافة نوعية في توثيق جوانب من نسب وسيرة الشهيد الأول، ولا سيما نسبه من جهة الأم، إذ يصرّح فيه بأن الشهيد حسني هاشمي، وأن جده هو تاج الدين بن معيّة الحسني باني المسجد في جزين، ودون فيه جملة من أشعار الشهيد، وذكر مقتله، ومدرسته العلمية القائمة قرب رأس النبع في جزين، إلى جانب معطيات أخرى عن البيئة الاجتماعية والعلمية للشهيد قدس سره وذريته ، والتملّكات ووالوصايا التي لا تقل أهمية عن المختصر والسفينة ، ولا سيما وصاياه لولده، وما دوّنه من أنساب على نسخ مخطوطات نادرة، من بينها نسخة مخطوطة من كتاب «من لا يحضره الإمام» المحفوظة اليوم في جامعة برينستون في الولايات المتحدة، فضلًا عن مخطوطات على غاية من الأهمية في الهند، وإيران والعراق ، وتكتسب كل هذه الجهود المضنية دلالة خاصة وعميقة حين نعلم أن جزءًا من كتاب « السفينة » كُتب وهو في عرض البحر، ما يعكس مدى التصاق هذا العالم بمشروعه التوثيقي، حتى في لحظات الارتحال والخطر ، وقد تراكم هذا الجهد عبر عقود طويلة تجاوزت الخمسين عامًا، واستمر حتى أواخر حياته رضوان الله عليه .
------------------------------------------------------
- من كتاب معالم وآثار الشهيد الأول محمد بن مكي (قده)
تأليف وتحقيق : هادي الشيخ محمد جواد شمس الدين .
شبكة آل شمس الدين الثقافية
2026م - 1447 هـ
